الشيخ السبحاني

59

مفاهيم القرآن

شابهه ممّا هو خارج عن بدنك ، فانّك في مثل تلك الحالة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة وقواك الداخلية فضلًا عن الأشياءالتي حولك ، إلّا عن ذاتك فلو كانت الروح نفس بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك ، للزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عن أعضائك والتجربة أثبتت خلافه . « 1 » البرهان الثالث : عدم الانقسام في الشخصية إنّ من آثار المادة هو التجزئة والانقسام ، فكلّ أمر مادي حتى الجزء الذي يسمّونه بما لا يتجزّأ أمر منقسم عند العقل وإن تعذر تقسيمه بالأجهزة الحديثة ، فما يسمّى في الفيزياء بالجزء الذي لا يتجزّأ هو مصطلح علمي أسموه بذلك لعدم استطاعة الأجهزة تجزئته ، ولكنّه عند العقل جزء يتجزّأ كما ذكرنا . وبناء على هذا الأصل فكل‌ّموجود مادي قابل للانقسام ولكن الشخصية الإنسانية التي تكون محوراً لأفعاله وأوصافه لا تقبل التجزئة والتقسيم فلا يتصور لشخصيته التي يعبر عنها ب « أنا » أجزاء ، وهذا دليل على أنّ الشخصية الإنسانية رغم ازدواجها مع المادة غير خاضعة لأحكامها ، فهي أمر ثابت غير منقسم ، وما هذا شأنه أمر مجرّد غير مادي . إنّ هذه البراهين الساطعة تدعم وجهة النظر القائلة انّ الإنسان لا يفنى بموته وإنّما الفاني غير الباقي ، وأنّ النفس أمر مجرد فما ينسب إليها أيضاً مثله . مثلًا انّ حبك لولدك وبغضك لعدوك ممّا لا يقبل الانقسام وإن كانا

--> ( 1 ) . هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات : 2 / 92 ؛ وفي كتاب الشفاء قسم الطبيعيات في موردين ، ص 282 و 464 .